الإنسان ذاكرة و كل ما عدا ذلك يذهب إليها ، الموضوع مسألة وقت ….. أسامة
قبل أن يتفتق الصبح أحسّ أن هذا اليوم ليس عادياً ، لا ليس إحساس فحسب بل هو في الحقيقة كذالك .
حتى أحلام الليل الذي مضى كانت غرائبية بامتياز لدرجة أنها أقلقته و أيقظته أكثر من مرّة .
و لكن عندما بدأت الشمس بإعلان الصباح ، انسحب من فراشه يبطئ ليس حباً بالنوم و إنما رغبة منه بأن يربح وقت أطول هنا .
و بدأت رحلة هذا اليوم ، حيث جهّز
حوائجه و ضّبها بدقة لتكفيها حقيبته واحدة حتى لا يضطر إلى حمل حقائب ملحقة .
و بعد ذلك حاول أن لا يشغل نفسه بالسفر ، و لكن كان على يقين أن ذاكرته المتعبة استعادة الكثير من المواقف التي حصلت معه بأنواعها ، و حتى المحرجة و المؤلمة منها بحنين غير عادي .
و عند الغداء أكل على عجل و لم يستطعم الأكل هذه المرة كما كانت عادته ، و هذا أمر أكثر من عادي.
ثمَّ حمل حقيبته و ودّعهم و سار على ذلك الطريق الغالي صديق مشاويره مع الأحبة منذ الصغر، و لكن الغريب في الأمر أن الطريق الذي غيّبيه مثل قصيدة حتى أنه يستطيع السير عليه مغمض العينين يحسّ أنها المرة الأولى التي يسير بها عليه و أن كل ما فيه و ما حوله جديد ، و شعرَ أنه تسرب إلى حلقه مرارة لا توصف ، فأسرع الخطى و
كان يتفاد أن يلتفت مرة أخرى إلى الوراء ، ليس لسبب سوى خوفاً من أنه إذا نظر إليها هذه المرة ستخونه دموعه لا محالة حيث أن عيناها لم تعدّ تحتملان هذه المواربة .
و بعدها استقل السيارة التي تابعت تأكل الطريق بنهمها الاعتيادي تاركةً ورائها تلك الغالية تبتعد بسرعة عنه ،حيث كانت كُلما بَعُدت ازدادت تفاصيل الأماكن و ناسه فيها حضوراً بشكل كبير جداً في مخيلته .
كانت هذه المرة الأولى التي يغادرها بهذه السفرة التي يراها طويلة جداً ،وقد يكون مردُّ ذلك علاقته الغير اعتيادية معها ، فعشقه لها تجاوز حدّ الهيام ،
و لكن كل هذا لا ينفع فالسيارة تتابع التهامها للطريق و لم يعدّ هناك أي أثر للغالية التي ترك،
و كل ما بقي منها ذاكرة مفعمة بالحنين و بقايا صور و موعد لقاء .
أسامة



“مناديل من ودّعت يخفقن فوقهم
فلا ترهقيهم ياسفينة أقلعي”
وحده المكان من نغادره لنجده عند عودتنا كما غادرناه..
ووحدها العودة تقتل هذا الحنين ..
لأننا حين عودتنا نكتشف أنّ أولئك الذين ارتبطنا بالمكان لأجلهم قد غابوا أو بالأحرى غـٌيّبوا..
تنتظرنا الأماكن دائماً بمعزل عن أصحابها أو بالأحرى أصحابنا …