بعد ما أعلنت الرحيل ، انكسر و بدأت ترتيلُ الحزنِ تجتاحه و كل ما حوله .
عندها بدأت أبجدية أخرى للحضورِ ….. أسامة
و مرة أخرى أنت في ضيافة فيروز ……
كانت تلك الحبقة الحزينة الساكنة في تلك الزاوية آخر ما تبقى من ذكراها ، بعدما أعلنت الرحيل ، بل أعلنها الرحيل رفيقته الدائمة ، و هو على حق فهي تزين كل مكان تحل فيه و تعطي للوقت و للحضور و الرحيل كل مبررات انتمائهم لذاتهم إذا ما حلت عليهم .
لذالك برحيلها فقد الحضور قيمته و تيتم من بعدها ، و أحّس عندها أن
قلبه انكسر و تكسرت صور الجمال ، و القمر سافر سفرته النهائية عن سماء روحه حيث فقد كل مبررات وجوده .
و نسي الربيع وروده التي ضيعت تفاصيلها و نسيت ألوانها و تألقها و بهجتها ، حيث امتلأت بالسواد أزهار الفل الناصعة و كذلك الزنبق الأبيض .
فبعد رحيلها أصبحت الأماكن تضجّ بالحياة لمجرد أنها ذات مصادفة تعبقت بها …
فمن هذا الطريق مرت ذات يوماً و بعدها أصبح المكان مفعماً بالحياة …
و هنا وقفت فما زالت سطوتها تجملّ المكان …
و هنا ذات مساءً بكى الليل حزنها و أعلن حداده ، كيف لا و هي سيدة الحضور و الفرحِ …
و لكن عندما بكت ذات حزنٍ و زرفت دمعاً ، فمكان دموعها نبتت بنفسجة بتواطؤٍ مع الطبيعة لتُعلن الطبيعة الحداد احتراماً لتلك الدموع .
هنا حاول أن يهرب و لو للحظة من سطوة حضورها ، و لكن عبثاً كل محاولته فكلُ ما حوله يذكره بها ، لذا أيقن أنّ من تتملّكت قلبه و اجتاحه حبها و تملّكه لا يمكن لرحيلٍ جسداً أن يعلن رحيلاً نهائياً لها، بل أعلن هذا الرحيلُأبجدية حضورٍ من نوعٍ آخر .
فأذا بصوت فيروز ذلك الصوت المفعم بالنقاء يمزق سواد الليل برائعة قلم ميشال طرّاد و ألحان الأخوين الرحباني “ كم بنفسجي ” ليمنح رحيلك حضراً بفلسفة أخرى :
تخمين راحت حلوة الحلوين
و ما ضلّ في غير الحبق
تخمين ها القلب انطبق
و ما عاد يرجعلي بعد تخمين
و غاب القمر من فوق بيتون غاب
و ماعادا راح بيطل
و سوّد لون اللفل
و الزنبقه البيضا الحد الباب
بآخر لكل بستان فيّ ممرق
بيجيب عا بالي البكي
مطرح ما كانت ترتكي
مفرخ على شفافو العشب أزرق
و طالع عرشه معشش فيّها الطيور
مطرح ما هرّت دمعتا
و بعدون بيحكو حكايتا
هونيك كم بنفسجي خلف الصخور
هونيك كم بنفسجي خلف الصخور
أسامة



أجل للحزن تراتيل نقاء ..
لا سيما إذا كان هذا الحزن مكللاً بالرحيل ..
إلى أولئك الذين أدمنا عشقهم وحضورهم فهم سادة الحضور في قمة غيابهم ..
لهم وحدهم كل دمعنا …وكل البنفسج ..
فوحدهم القادرين على محو السواد الذي يسكن زوايا أرواحنا …
وحدهم يُطعّمون البنفسج الحزين بفرح الياسمين …..
لهم وحدهم يصرخ العمر : آميـــــــــــــــــــن